ابن حزم

178

رسائل ابن حزم الأندلسي

السلطان بحظ ، أن يسلم من المتالف ، وينجو من المخالف . فإن تعرض لتأليف غمز ولمز ، وتعرض وهمز ، واشتط عليه ، وعظم يسير خطبه ، واستشنع هين سقطه ، وذهبت محاسنه ، وسترت فضائله ، وهتف ونودي بما أغفل ، فتنكس لذلك همته ، وتكل نفسه وتبرد حميته ، وهكذا عندنا نصيب من ابتدأ يحوك شعراً ، أو يعمل رسالة ، فإنه لا يفلت من هذه الحبائل ، ولا يتخلص من هذا النصب ، إلا الناهض الفائت ، والمطفف المستولي على الأمد . 9 - وعلى ذلك ، فقد جُمع ما ظنه الظان غير مجموع ، وألفت عندنا تآليف في غاية الحسن ، لنا خطر السبق في بعضها ، فمنها : كتاب الهداية لعيسى بن دينار ( 1 ) ، وهي أرفع كتب جمعت في معناها على مذهب مالك وابن القاسم ، وأجمعها للمعاني الفقهية على المذهب ، فمنها كتاب الصلاة وكتاب البيوع وكتاب الجدار في الأقضية وكتاب النكاح والطلاق . ومن الكتب المالكية التي ألفت بالأندلس : كتاب القطني مالك بن علي ( 2 ) ، وهو رجل قرشي من بني فهر ، لقي أصحاب مالك ، وأصحاب أصحابه ، وهو كتاب حسن فيه غرائب ومستحسنات من الرسائل والمولدات . ومنها كتاب أبي إسحاق [ يحيى بن ] إبراهيم بن مزين ( 3 ) في تفسير الموطأ ، والكتب المستقصية لمعاني الموطأ وتوصيل مقطوعاته من تآليف ابن مزين أيضاً . وكتابه في رجال الموطأ وما لمالك عن كل واحد منهم من الآثار في موطأه . وفي تفسير القرآن : كتاب أبي عبد الرحمن بقي بن مخلد ( 4 ) ؛ فهو الكتاب الذي أقطع قطعاً لا أستثني فيه انه لم يؤلف في الإسلام تفسير مثله ، ولا تفسير محمد بن جرير الطبري ولا غيره . ومنها في الحديث مصنفه الكبير الذي رتبه على أسماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، فروى فيه عن ألف وثلاثمائة صاحب ونيف . ثم رتب حديث كل صاحب على أسماء الفقه وأبواب الأحكام ، فهو مصنف ومسند ، وما أعلم هذه الرتبة لأحدٍ قبله ، مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله في الحديث وجودة شيوخه ، فإنه روى عن مائتي رجل وأربعة وثمانين رجلاً ليس فيهم عشرة ضعفاء ، وسائرهم أعلام

--> ( 1 ) الجذوة : 279 وابن دينار ( توفي 212 ه - ) وكان يعجبه ترك الرأي والأخذ بالحديث ، ولم يورد الحميدي أسماء كتبه . ( 2 ) الجذوة : 324 وابن الفرضي 2 : 3 وهو من نسل عبد الملك بن قطن الفهري والي الأندلس ( توفي 268 بعد أن كف بصره ) وله مختصر في الفقه على مذهب مالك . ( 3 ) الجذوة : 350 وقد توفي يحيى سنة 209 ، وانظر أيضاً ابن الفرضي 2 : 178 . ( 4 ) الجذوة : 167 وهو ينقل النص الموجود هنا ، وانظر ترجمته في الصلة 1 : 118 .